الآلوسي

257

تفسير الآلوسي

وفيه أنه لو كان كذلك لأجمل في البشارة وإن حصر الجدب يقتضي تغييره بخصب ما لا على ما ذكره خصوصا على ما تقتضيه بعض القراءات من إغاثة بعضهم بعضا فإنها لا تعلم إلا بالوحي ثم إنه عليه السلام بعد أن أفتاهم وأرشدهم وبشرهم كان يتوقع وقوع ما أخبر به فقد أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم أنه عليه السلام كان بعد ذلك يصنع لرجل طعام اثنين فيقربه إلى الرجل فيأكل نصفه ويدع نصفه حتى إذا كان يوم قربه له فأكله كله فقال عليه السلام : هذا أول يوم من الشداد واستدل البلخي بتأويله لذلك على بطلان قول من يقول : إن الرؤيا على ما عبرت أولا فإنهم كانوا قد قالوا : ( أضغاث أحلام ) فلو كان ما قالوه مؤثرا شيئا لأعرض عليه السلام عن تأويلها وفيه بحث فقد روي أبو داود وابن ماجة عن أبي رزين الرؤيا على جناح طائر مالم تعبر فإذا عبرت وقعت ولا تقصها إلا على واد وذي رأي ولعله إذا صح هذا يلتزم القول بأن الحكم على الرؤيا بأنها ( أضغاث أحلام ) وأنها لا ذيل لها ليس من التعبير في شيء وإلا فالجميع بين ما هنا وبين الخبر مشكل وقال ابن العربي : إنه ينبغي أن يخص ذلك بما يحتمل من الرؤيا وجوها فيعبر بأحدها فيقع عليه واستدلوا بذلك أيضا على صحة رؤيا الكافر وهو ظاهر وقد ذكروا للاستفتاء عن الرؤيا آدابا : منها أن لا يكون ذلك عند طلوع الشمس أو عند غروبها أو في الليل وقالوا : إن تعبيرها مناما هو تعبيرها في نفس الأمر فلا يحتاج إلى تعبير بعد وأكثروا القول فيما يتعلق القول بها وأكثر ما قيل مما لا يظهر لي سره ولا أدري بعض ذلك إلا كأضغاث أحلام ( وقال الملك ( بعد ما جاء السفير المعبر بالتعبير وسمع منه ما سمع من نقير وقمطير ( ( ائتوني به لما رأى من علمه وفضله وأخباره عما لا يعلمه إلا اللطيف الخبير ( فلما جاءه ( أي يوسف عليه السلام ( الرسول ( وهو صاحبه الذي استفتاه وقال له : إن الملك يريد أن تخرج إليه ( قال ارجع إلى ربك ( أي سيدك وهو الملك فسئله ما بال النسوة الآتي قطعن أيديهن أي فتشه عن شأنهن وحالهن وإنما لم يقل فاسأله أن يفتش عن ذلك حثا للملك على الجد في التفتيش لتتبين براءته وتتضح نزاهته فإن السؤال عن شيء مما يهيج الإنسان ويحركه للبحث لأنه يأنف من الجهل ولو قال : سله أن يفتش لكان تهييجا له عن الفحص عن ذلك وفيه جراءة عليه فربما امتنع منه ولم يلتفت إليه وإنما لم يتعرض السلال لامرأة العزيز مع أنها الأصيل لما لا قاه تأدبا وتكرما ولذا حملها ذلك على الاعتراف بنزاهته وبراءة ساحته وقيل : احترازا عن مكرها حيث اعتقدها باقية في ظلالها القديم وأما النسوة فقد كان يطمع في صدعهن بالحق وشهادتهن بإقرارها بأنها راودته عن نفسه فاستعصم ولذلك اقتصر على وصفهن بتقطيع الأيدي ولم يصرح بمراودهن له واكتفى بالإيماء إلى ذلك بقوله : ( إن ربي بكيدهن عليم 50 ( مجاملة معهن واحترازا عن سوء مقالتهن وانتصابهن عند رفعهن إلى الملك للخصومة عن أنفسهن متى سمعن بنسبته لهن إلى الفساد وفي الكشاف أنه عليه السلام أراد بهذا أنه كيد عظيم لا يعلمه إلا الله تعالى أو استشهد بعلم الله تعالى على أنهن كدنه وأنه بريء مما قرف به أو أراد الوعيد لهن أي عليم بكيدهن فمجازيهن عليه انتهى وكان الحصر على الأول من قربه من زيد يعلم وصلوحه لإفادته عنده أو من اقتضاء المقام لأنه إذا